عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
180
خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )
الحكاية الرابعة بعد المائة عن الشيخ الجليل أبي محمد صالح المغربي الدكالي « 1 » رضي اللّه عنه قال : قال لي سيدي الشيخ أبو مدين قدّس اللّه روحه : يا صالح سافر إلى بغداد إلى الشيخ عبد القادر ليعلمك الفقر ، فسافرت إلى بغداد فلما رأيته رأيت رجلا ما رأيت هيبة أكثر منه ، فأجلسني في خلوة ثمانية وعشرين يوما ، ثم دخل عليّ وقال : يا صالح انظر إلى هنا ، وأشار إلى جهة القبلة قلت : نعم ، قال : ما ترى ؟ قلت : الكعبة ، قال : انظر إلى هنا ، وأشار إلى جهة المغرب ، قلت : نعم ، قال : ما ترى ؟ قلت : شيخي أبا مدين ، قال لي : إلى أين تريد أن تذهب إلى هنا أو إلى هنا ؟ قلت : بل إلى شيخي أبا مدين ، قال : في خطوة تذهب أو كما جئت ؟ قلت : كما جئت ، قال : هو أتم ، ثم قال : يا صالح إن أردت الفقر فإنك لن تنله حتى ترقّى سلّمه ، وسلّمه التوحيد ، وملاك التوحيد محو كل ما يلوح من المحدثات بعين السر ، قلت : فإني أريد أن تمدني منك بهذا الوصف ، فنظر إليّ نظرة فتفرّقت عن قلبي حوادث الإرادات ، كما يتفرّق الظلام بهجوم ضوء النهار ، وإني إلى الآن أنفق من تلك النظرة . « 2 » الحكاية الخامسة بعد المائة عن الشيخ الجليل محمد الأبهر بن أبي المغانم قال : أخبرني أبي بدمشق سنة تسعة وعشرين وستمائة قال : سمعت سيدي الشيخ محيي الدين عبد القادر رضي اللّه عنه ببغداد سنة تسع وخمسين وخمسمائة يقول : حججت من بغداد وأنا شابّ على قدم التجريد ، فلما كنت عند المنارة المعروفة بأم القرون لقيت الشيخ عدي بن مسافر رضي اللّه عنه وهو شابّ يومئذ ، فقال لي : إلى أين ؟ قلت : إلى مكة ، قال : هل لك في الصحبة ؟ قلت : إني على قدم التجريد ، قال : وأنا كذلك ، فسرنا جميعا فلما كان في بعض الطريق إذ نحن بجارية نحيفة البدن ، مبرقعة ، فوقفت بين يديّ ، وحدقت النظر في وجهي وقالت : من أين أنت يا فتى ؟ قلت : نعم من العجم . قالت : قد أتعبتني اليوم ، قلت : ولم ؟ قالت : لأني كنت الساعة في بلاد الجن فأشهدت أن اللّه تعالى تجلّى على قلبك ومنحك من فضله ما لم يمنح بمثله غيرك فيما أعلم ، فأحببت أن
--> ( 1 ) وقع في الأصل : البكاكي ، وكذلك البكالي ، في موضع آخر . ( 2 ) انظر : بهجة الأسرار ( 105 ) .